أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

455

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« تقديره : بنقض ميثاقهم ، والمعنى : ورفعنا فوقهم الطور تخويفا ، لهم بسبب نقضهم الميثاق » . وفيه ذلك النظر المتقدم ، ولقائل أن يقول : لمّا همّوا بنقضه وقاربوه صح أن يقال : رفعنا الطور فوقهم لنقضهم الميثاق أي : لمقاربتهم نقضه ، لأنّ ما قارب الشيء أعطي حكمه ، فتصحّ عبارة من قدّر مضافا كأبي البقاء وغيره . والميثاق مصدر مضاف لمفعوله . و « سُجَّداً » حال من فاعل « ادْخُلُوا » . قوله : لا تَعْدُوا قرأ الجمهور : « تَعْدُوا » بسكون العين وتخفيف الدال من عدا يعدو ، كغزا يغزو ، والأصل : « تعدووا » بواوين : الأولى لام الكلمة والثانية ضمير الفاعلين ، فاستثقلت الضمة على لام الكلمة فحذفت ، فالتقى بحذفها ساكنان ، فحذف الأول وهو الواو الأولى ، وبقيت واو الفاعلين ، فوزنه : نفعوا . وقرأ نافع بفتح العين وتشديد الدال ، إلا أن الرواة اختلفوا عن قالون عن نافع : فرووا عنه تارة بسكون العين سكونا محضا ، وتارة إخفاء فتحة العين . فأما قراءة نافع فأصلها : تعتدوا ، ويدل على ذلك إجماعهم على : اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ « 1 » كونه من الاعتداء وهو افتعال من العدوان ، فأريد إدغام تاء الافتعال في الدال فنقلت حركتها إلى العين وقلبت دالا وأدغمت . وهذه قراءة واضحة . وأما ما يروى عن قالون من السكون المحض فشئ لا يراه النحويون لأنه جمع بين ساكنين على غير حدّهما . وأمّا الاختلاس فهو قريب للإتيان بحركة ما ، وإن كانت خفيّة ، إلا أنّ الفتحة ضعيفة في نفسها فلا ينبغي أن تخفى لتزاد ضعفا ، ولذلك لم يجز القراء رومها وقفا لضعفها . وقرأ الأعمش : « تعتدوا » بالأصل الذي أدغمه نافع . قوله تعالى : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ : في « ما » هذه وجهان : أحدهما : أنها زائدة بين الجار ومجروره تأكيدا . والثاني : أنها نكرة تامة ، و « نَقْضِهِمْ » بدل منه ، وهذا كما تقدّم في فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ « 2 » . و « نقض » مصدر مضاف لفاعله ، و « مِيثاقَهُمْ » مفعوله ، وفي متعلّق الباء الجارة ل « ما » هذه وجهان : أحدهما : أنه « حَرَّمْنا » المتأخر في قوله : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا « 3 » وعلى هذا فيقال : « فَبِظُلْمٍ » متعلق ب « حَرَّمْنا » أيضا فيلزم أن يتعلق حرفا جر متحدان لفظا ومعنى بعامل واحد ، وذلك لا يجوز إلا مع العطف أو البدل . وأجابوا عنه بأن قوله « فَبِظُلْمٍ » بدل من قوله « فَبِما » بإعادة العامل . فيقال : لو كان بدلا لما دخلت عليه فاء العطف ؛ لأن البدل تابع بنفسه من غير توسّط حرف عطف . وأجيب عنه بأنه لمّا طال الكلام بين البدل والمبدل منه أعاد الفاء للطول ، ذكر ذلك أبو البقاء والزجاج والزمخشري وأبو بكر وغيرهم . وقد ردّه الشيخ « 4 » بما معناه أن ذلك لا يجوز لطول الفصل بين المبدل والبدل ، وبأنّ المعطوف على السبب سبب فيلزم تأخّر بعض أجزاء السبب الذي للتحريم في الوقت عن وقت التحريم ، فلا يمكن أن يكون سببا أو جزء سبب إلا بتأويل بعيد ، وذلك أن قولهم : « إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ » وقولهم على مريم البهتان إنما كان بعد تحريم الطيبات . قال : « فالأولى أن يكون التقدير : لعنّاهم . وقد جاء مصرّحا به في قوله : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ » . والثاني : أنه متعلق بمحذوف ، فقدّره ابن عطية : لعنّاهم وأذللناهم وختمنا على قلوبهم . قال : وحذف جواب

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 65 ) . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية ( 159 ) . ( 3 ) سورة آل عمران ، الآية ( 160 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 388 ) .